أبو نصر الفارابي
25
فصوص الحكم
نظرية الاشراق عند الفارابي تفصح عن ملامح صوفية لا مجال لانكارها » . « ونستطيع كذلك أن نبين انه ليس من العسير ادراك الصلة بين « تصوف » الفارابي ومجمل فلسفته ، إذ لا خلّة ولا تنافر عنده بين هذين العاملين . وإذا كنا نلاحظ في فصوص الحكم استعمال بعض ألفاظ يشتم منها رائحة الأصل الإسماعيلي - شأنها في ذلك شأن كل ما يتعلق بالعرفان - فان في هذا ما يبعد كل شبهة حول صحة نسبة هذا الكتاب للفارابي ، بل إن فيها ما يبين المصادر التي استقى منها فيلسوفنا ، بل انها هي عينها التي توفق بين نظريته الفلسفية حول النبوة وبين فكرة النبوة عند الشيعة » « 6 » . ولقد كان كوربان محقا ومصيبا فيما ذهب اليه . فان لغة الرسالة وأفكارها وأسلوبها غير متنافر - ان لم يكن منسجما أيضا - مع أسلوب الفارابي ومنهجه في عدد من مؤلفاته ، وانسجام الفكر - أو ما يسميه الشعراء : وحدة النّفس - من الأدلة الرئيسة التي تطرد الشك وتبعث على الاطمئنان في موقف متردد كهذا الموقف . ويقول جورج قنواتي أثناء حديثه عن كتاب « القوى الانسانية » المنسوب لابن سينا : « هذه الرسالة ليست لابن سينا ، بل هي مأخوذة نصّا من فصوص الحكم للفارابي . . . وقد سبق أن أشار إلى هذا الأستاذ مذكور في كتابه عن الفارابي » « 7 » . ثم كان لنا - من جملة الأدلة على صحة انتساب الرسالة لأبي نصر - ذلك الاهتمام الذي أولاه إياها عدد من الأفاضل المعنيين بالفلسفة ، بشرحها والتعليق عليها وتأكيد نسبتها للفارابي ، وكان من بين هؤلاء الشّراح من توفي في أوائل القرن الثامن الهجري ومن توفي في القرن التاسع ؛ كما سيأتي .
--> ( 6 ) تاريخ الفلسفة الاسلامية لكوربان : 244 - 245 . ( 7 ) مؤلفات ابن سينا : 156 .